-->

السبت، 20 نوفمبر 2021

(مقالات)نوبل عام 1981: حل شيفرة الدماغ

في أحدِ أيامِ أكتوبر عامَ ألفٍ وستِّمئةٍ وتسعةٍ وأربعين، وصلَ "رينيه ديكارت" الفيلسوفُ وعالِمُ الرياضياتِ الفرنسيُّ إلى ستوكهولم بدعوةٍ ملحَّةٍ منَ الملكةِ كريستينا لتعليمِها الفلسفةَ بعدَ أنْ حققَ إنجازاتٍ تلوَ الأخرى في ذلكَ المجال. سعى ديكارت، بمساعدةِ الفلسفةِ، إلى إيجادِ إجابةٍ لأسئلتِه عنْ وظائفِ العقل. 

وبعدَ سنواتٍ طويلةٍ منْ وصولِ "ديكارت" إلى القصرِ الملكي؛ وقفَ ثلاثةُ علماء ليتسلمُوا الجائزةَ منْ سليلِ الملكةِ "كريستينا"؛ ملكِ السويد، بعدَ أنْ نجحُوا في فكِّ الكثيرِ منَ طلاسمِ المشكلةِ التي طالَما ناقشَها "ديكارت" معَ "كريستينا".. مشكلةِ العقل.

فـ"روجر سبيري" الفائزُ بنصفِ جائزةِ نوبل الطبِّ عامَ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وواحدٍ وثمانينَ نجحَ في كشفِ النقابِ عنِ التخصصِ الوظيفيِّ لنصفَي الكرةِ المخية؛ أما الفائزانِ بالنصفِ الثاني "ديفيد هوبل" و"تورستن فيزل" فقد نجحا في اكتشافِ الكيفيةِ التي يُعالجُ بها الدماغُ المعلوماتِ في النظامِ المرئيِّ بعدَ أنْ نجحا في كسرِ شيفرةِ الرسائلِ التي ترسلُها العينُ إلى الدماغ، وبالتالي أعطيانا نظرةً ثاقبةً على العملياتِ العصبيةِ التي تقومُ عليها تجاربُنا البصرية.

يتكونُ الدماغُ منْ نصفَينِ متطابقينِ هيكليًّا، هلْ هذا يعني أنَّ لدينا دماغينِ أمْ أنَّ نصفَي الدماغِ لهما مهماتٌ مختلفة؟ 

قدْ يبدو منَ المستحيلِ العثورُ على إجابةٍ لهذا السؤالِ لأنَّ نصفَي الدماغِ متحدانِ بملايينِ الخيوطِ العصبية، وبالتالي يعملانِ في وئامٍ وظيفيٍّ كامل. ومعَ ذلكَ، فمنَ المعروفِ منذُ أكثرَ منْ مئةٍ وخمسينَ عامًا أنَّهُ على الرغمِ منَ التشابهِ والارتباطِ الوثيقِ بينَ نصفَي الدماغ، فإنَّ لهما مهماتٍ مختلفةً جزئيًّا.

فالنصفُ المخيُّ الأيسرُ متخصصٌ في الكلام، وبالتالي، تمَّ اعتبارُه أفضلَ منَ النصفِ المخيِّ الأيمن. بالنسبةِ للنصفِ المخيِّ الأيمن، كانَ منَ الصعبِ العثورُ على دورٍ، وكانَ يُنظرُ إليه عمومًا على أنَّهُ "شريكٌ نائم" منْ رفيقِه الأيسر. 

في بدايةِ الستينيات، أُتيحتِ الفرصةُ لـ"سبيري" لدراسةِ بعضِ المرضى الذينَ انقطعتِ الروابطُ العصبيةُ بينَ نصفَي أدمغتِهم. إذْ أُجريَ تدخلٌ جراحيٌّ كملاذٍ أخيرٍ للتخفيفِ منْ نوباتِ الصرَعِ التي يعاني منها هؤلاءِ المرضى. حدثَ تحسنٌ في معظمِهم وكانَ هناكَ انخفاضٌ في وتيرةِ نوباتِ الصرع. خلافَ ذلك، لا يبدُو أنَّ العمليةَ مصحوبةٌ بأيِّ تغيراتٍ في شخصيةِ المرضى. 

لكنَّ "سبيري" كانَ قادرًا، باستخدامِ طرقِ اختبارِ مصممةٍ ببراعة، على إثباتِ أنَّ نصفَي الدماغِ في هؤلاءِ المرضى يمتلكانِ تيارًا منَ الإدراكِ الواعي، والتصوراتِ، والأفكارِ، والذكرياتِ، وكلُّها منفصلةٌ عنِ التجاربِ المقابلةِ في النصفِ الآخر.

فالنصفُ الأيسرُ منَ الدماغ، كما أظهرتْ نتائجُ "سبيري" متفوقٌ على الأيمنِ في التفكيرِ المجرد، وتفسيرِ العلاقاتِ الرمزيةِ وفي إجراءِ التحليلِ التفصيلي. 

يُمكِّنُ ذلكَ النصفُ الشخصَ منَ التحدثِ والكتابةِ وإجراءِ العملياتِ الحسابيةِ، وفي وظيفتِه العامةِ يشبهُ الكمبيوترَ إلى حدٍّ ما. علاوةً على ذلك، فهوَ نصفُ الكرةِ الرائدُ في التحكمِ في النظامِ الحركي، وفي بعضِ النواحي يُعتبرُ نصفَ الدماغِ العدواني. 

أما النصفُ الأيمنُ فهوَ صامتٌ ويفتقرُ في جوهرِه إلى إمكانيةِ الوصولِ إلى العالمِ الخارجي، وهوَ غيرُ مسؤول عنِ الكتابةِ ولا يمكنُه إلا قراءةُ وفهمُ معنى الكلماتِ البسيطةِ ولا يفهمُ معنى الصفةِ أوِ الفعل. يفتقرُ تمامًا إلى القدرةِ على العدِّ ويمكنُه فقطْ إجراءُ عملياتِ جمعٍ بسيطةٍ تصلُ إلى عشرين. كما أنَّهُ يفتقرُ تمامًا إلى القدرةِ على الطرحِ والضربِ والقسمة. بسببِ صمتِه؛ فإنَّ النصفَ الأيمنَ منَ الدماغِ يُعطي الانطباعَ بأنَّهُ أدنى منَ الأيسر. ومعَ ذلكَ، تمكنَ "سبيري" في تحقيقاتِه منَ الكشفِ عنْ أنَّ النصفَ المخيَّ الأيمنَ منْ نواحٍ كثيرةٍ يتفوقُ بشكلٍ واضحٍ على الأيسر. في المقامِ الأول، يتعلقُ هذا بالقدرةِ على التفكيرِ الملموس، والتخوفِ منَ الأنماطِ المكانيةِ والعلاقاتِ والتحولاتِ ومعالجتِها. ذلكَ النصفُ متفوقٌ على النصفِ المخيِّ الأيسرِ في إدراكِ الأصواتِ المعقدةِ وتقديرِ الموسيقى؛ يتعرفُ على الألحانِ بسهولةٍ أكبرَ ويمكنُه أيضًا تمييزُ الأصواتِ والنغماتِ بدقة. إنه أيضًا أفضلُ تمامًا منَ النصفِ المخيِّ الأيسرِ في إدراكِ الأنماطِ غيرِ الموصوفة. وتضاريسِ المدينةِ أوِ المناظرِ الطبيعيةِ التي رأيناها سابقًا.

مرَّ أكثرُ منْ تسعينَ عامًا على طرحِ عالِمِ الفسيولوجيا الروسيِّ العظيمِ بافلوف، الاقتراحاتِ التي تنصُّ على إمكانيةِ تقسيمِ البشريةِ إلى مفكرينَ وفنانين. ربما لمْ يكنْ بافلوف مخطئًا تمامًا في تقديمِ هذا الاقتراح. نعلمُ اليومَ منْ عملِ "سبيري" أنَّ النصفَ المخيَّ الأيسرَ رائعٌ ومنطقيٌّ في تفكيرِه، بينما النصفُ الأيمنُ هوَ النصفُ التخيليُّ والإبداعيُّ الفنيُّ للدماغ. ربما كانَ النصفُ المخيُّ الأيسرُ هوَ المسيطرُ عندَ المفكرينَ أما عندَ الفنانينَ فيكونُ للنصفِ المخيِّ الأيمنِ اليدُ العُليا.

كشفَ "هوبل" و"فيزل" في سلسلةٍ منَ التحقيقاتِ التي تميزتْ بأناقةٍ تجريبيةٍ غيرِ عاديةٍ الكيفيةَ التي تتمُّ منْ خلالِها معالجةُ الصورةِ التي تقعُ في العينِ بواسطةِ خلايا شبكيةِ العين. 

يمكنُ اعتبارُ الإشاراتِ التي ترسلُها العينُ إلى الدماغِ رمزًا سريًّا لا يمتلكُه سوى الدماغِ ويمكنُه تفسيرُ الرسالة. نجحَ كلاهُما في حلِّ شيفرةِ ذلكَ الكودِ منْ خلالِ التنصتِ على الإشاراتِ منَ الخلايا العصبيةِ في طبقاتِ الخلايا المختلفةِ لقشرةِ الدماغ. 

وبالتالي، فقدْ تمكنُوا منْ إظهارِ كيفيةِ قراءةِ المكوناتِ المختلفةِ لصورةِ الشبكيةِ وتفسيرِها بواسطةِ الخلايا القشريةِ فيما يتعلقُ بالتباينِ والأنماطِ الخطيةِ وحركةِ الصورةِ فوقَ الشبكية. 

تمكنَ "هوبل" و"فيزل" أيضًا منْ إظهارِ أنَّ قدرةَ الخلايا القشريةِ على تفسيرِ رمزِ الرسالةِ الدافعةِ منْ شبكيةِ العينِ تتطورُ مبكرًا خلالَ فترةِ ما بعدَ الولادةِ مباشرة. الشرطُ الأساسيُّ لحدوثِ هذا التطورِ هوَ أنْ تخضعَ العينُ لتجاربَ بصرية. إذا تمَّتْ خياطةُ عينٍ واحدةٍ خلالَ هذهِ الفترةِ حتى بضعةِ أيام، فقدْ يؤدي ذلكَ إلى ضعفٍ دائمٍ في الرؤيةِ لأنَّ قدرةَ الدماغِ على تفسيرِ الصورةِ لمْ تتطورْ بشكلٍ طبيعي. ولكيْ يحدثَ ذلك، ليسَ منَ الضروريِّ أنْ يصلَ الضوءُ إلى العينِ فحسب، بلْ أيضًا أنْ يتمَّ تكوينُ صورةٍ حادةٍ على شبكيةِ العين، وأنْ يكونَ لصورةِ الشبكيةِ نمطٌ منَ الملامحِ والتباينات. يكشفُ هذا الاكتشافُ أنَّ الدماغَ يتمتعُ بدرجةٍ عاليةٍ منَ اللدونة -أوِ المرونةِ العصبية- في مرحلةٍ مبكرةٍ بعدَ الولادةِ مباشرة.

كما كشفا أيضًا عنْ أحدِ أسرارِ الدماغِ الأكثرِ غموضًا؛ ألا وهيَ الطريقةُ التي تفكِّكُ بها خلاياهُ الرسالةَ التي يتلقاها الدماغُ منَ العين. بفضلِهما تمكنَ العلماءُ منْ فهمِ اللغةِ الداخليةِ للدماغ. فاكتشافُهم لدونةَ قشرةِ الدماغِ خلالَ فترةٍ مبكرةٍ منْ حياتِنا له آثارٌ تتجاوزُ مجالَ علمِ وظائفِ الأعضاءِ البصريِّ ويثبتُ أهميةَ المدخلاتِ الحسيةِ الغنيةِ لتنميةِ الوظائفِ العليا للدماغ.

وُلدَ "سبيري" في عشرين أغسطس عامَ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وثلاثةَ عشَر في كونيتيكت بالولاياتِ المتحدةِ الأمريكية، وتلقَّى تعليمَه الابتدائيَّ والثانويَّ في الولايةِ نفسِها.

كانَ الأبُ يعملُ في مجالِ البنوك؛ أمَّا الأمُّ فقدْ تلقتْ تعليمًا في كليةِ إدارةِ الأعمالِ وبعدَ وفاةِ والدِه -حينَ كانَ عمرُ سبيري أحَدَ عشَرَ عامًا- أصبحتْ مساعدةً لمديرِ المدرسةِ الثانويةِ المحلية.

 التحقَ بكليةِ أوبرلين في أوهايو لمدةِ أربعِ سنواتٍ حيثُ تخصصَ في الأدبِ الإنجليزي. بعدَ حصولِه على درجةٍ علميةٍ في الأدبِ مكثَ لمدةِ عامينِ آخرَينِ في أوبرلين للحصولِ على درجةِ الماجستير في علمِ النفس. ثمَّ تحولَ إلى علمِ الحيوانِ للحصولِ على درجةِ الدكتوراه. بعدَ حصولِه على الدكتوراه.؛ عمِلَ في جامعةِ شيكاغو وقامَ ببحوثِ ما بعدَ الدكتوراه لمدةِ عامٍ كزميلٍ في المجلسِ القوميِّ للبحوثِ بجامعةِ هارفارد.

عادَ إلى جامعةِ شيكاغو في عامِ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وستةٍ وأربعينَ أستاذًا مساعدًا في قسمِ التشريح. وفي عامِ ألفٍ وتِسعِمئةٍ واثنينِ وخمسينَ أصبحَ رئيسًا لقسمٍ في المعهدِ الوطنيِّ للأمراضِ العصبيةِ والعمى وعُينَ أستاذًا مشاركًا في علمِ النفسِ في جامعةِ شيكاغو. بحلولِ هذا الوقت، تمكنَ منِ اكتشافِ قدرةِ الدماغِ على تنميةِ الوظائفِ الحسيةِ المختلفة، ثمَّ تحولتْ تحقيقاتُه إلى اختباراتِ الاتصالِ بينَ نصفَي الدماغِ ودرسَ أيضًا اللدونةَ العصبية. ومعَ تطورِ التقنياتِ الجراحيةِ المجهريةِ الدقيقةِ المستخدمةِ على الأدمغةِ الكبيرةِ للثدييات؛ فُتحتْ إمكانياتٌ تجريبيةٌ جديدةٌ لدراسةِ الدماغ. 

في عامِ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وأربعةٍ وخمسينَ؛ واصلَ هوَ وزملاؤُه في مختبرِ علمِ النفسِ منذُ ذلكَ الحينِ متابعةَ مجموعةٍ واسعةٍ منَ المشاريعِ التي تركزُ على نموِّ دوائرِ الدماغ، وتتبعِ الذاكرة، ومجموعةٍ متنوعةٍ منَ المشكلاتِ في التنظيمِ الدماغي. ثمَّ بدأَ العملَ على أدمغةِ مرضى الصرعِ ليكتشفَ الوظائفَ الدقيقةَ لنصفَي المخ، وهوَ الأمرُ الذي قادَه للحصولِ على جائزةِ نوبل.

وُلدَ "دافيد هوبل" عامَ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وستةٍ وعشرينَ في وندسور، أونتاريو. هاجرَ جدُّهُ عندَما كانَ طفلاً إلى الولاياتِ المتحدةِ وعمِلَ هناكَ في مجالِ الصيدلةِ ليحققَ بعضَ المكاسبِ منْ خلالِ اختراعِ أولِ عمليةٍ لإنتاجِ كبسولاتِ الجيلاتين بكمياتٍ كبيرة. 

وُلِدَ والداهُ ونشآ في ديترويت بولايةِ ميشيغان. والدُه كانَ مهندسًا كيميائيًّا، وحينَ تزوجَ انتقلَ إلى كندا. عندما ولدَ "هوبل" حصلَ على الجنسيةِ الأمريكيةِ منْ خلالِ والدِه والجنسيةِ الكنديةِ بالميلاد. 

في عامِ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وتسعةٍ وعشرين، انتقلَ والدُه إلى مونتريال، حيثُ نشأَ "هوبر" منْ سنِّ السادسةِ إلى الثامنةِ عشْرة. يقولُ "هوبر" إنَّهُ يَدينُ بالكثيرِ منِ اهتمامِه بالعلومِ لوالدِه، كما يعودُ الفضلُ إلى والدتِه في تشجيعِه على العملِ منْ أجلِ الوصولِ إلى الأهدافِ التي يضعُها لنفسِه. 

كصبي، كانتْ هواياتُه الرئيسيةُ هيَ الكيمياءُ والإلكترونيات. سرعانَ ما سئمَ منَ الإلكترونياتِ إذْ لمْ ينجحْ أيُّ شيءٍ صنعَه على الإطلاق. 

لكنْ معَ الكيمياءِ اكتشفَ أنَّ خليطَ كلوراتِ البوتاسيومِ والسكر يُمكنُ أنْ يصنعَ دويًّا شديدًا، وأنَّ بلالينَ الهيليوم تطيرُ بعيدًا؛ لذا عشِقَ الكيمياء.

تخرَّجَ في عامِ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وسبعةٍ وأربعينَ منَ المدرسةِ الثانوية، وعلى الرغمِ منْ أنَّهُ لمْ يحصلْ على دورةٍ في علمِ الأحياءِ تقدمَ إلى كليةِ الطبِّ في ماكجيل. وتمَّ قبولُه. 

في البدايةِ وجدَ الأمرَ صعبًا للغاية، نظرًا لجهلِه التامِّ بالبيولوجيا. قضى فصولَ الصيفِ في معهدِ مونتريال للأعصاب، وهناكَ أصبحَ مفتونًا بالجهازِ العصبي. في التاسعةِ والعشرينَ منْ عمرِه وبينما كان مُجندًا في معهدِ والتر ريد للأبحاث، التابعِ لجيشِ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ بدأَ أخيرًا في إجراءِ الأبحاثِ في قسمِ الطبِّ النفسيِّ العصبي.

ومنْ خلالِ التعاونِ لمدةِ ستةِ أشهرٍ في مشروعٍ تابعٍ للجيشِ متخصصٍ في إصاباتِ الحبلِ الشوكيِّ تعلمَ الكثيرَ عنِ الأنظمةِ العصبية. ثمَّ بدأَ في دراسةِ الأنظمةِ البصريةِ بعدَ أنْ تركَ الجيش؛ ليتمكنَ منِ اكتشافِ طبيعةِ الرسائلِ البصريةِ التي أهلتْهُ للحصولِ على جائزةِ نوبل.

منذُ أنْ كانَ في الخامسةِ منْ عمرِه؛ أمضى وقتًا طويلًا في دراسةِ الموسيقى، فلسنواتٍ عديدةٍ عزفَ على البيانو والناي. كما مارسَ في خلالِ حياتِه الأعمالَ الخشبيةَ والتصوير، وامتلكَ تلسكوبًا صغيرًا لعلمِ الفلك، وتزلجَ ولعبَ التنسَ والاسكواش. واستمتعَ بتعلمِ اللغات، وأمضى ساعاتٍ لا حصرَ لها في البحثِ عنْ كلماتٍ في قواميسَ فرنسيةٍ ويابانيةٍ وألمانية. استمتعَ في المختبرِ بكلِّ شيءٍ تقريبًا، بما في ذلكَ الآلاتِ والتصويرِ وأجهزةِ الكمبيوترِ والجراحةِ حتى علمِ وظائفِ الأعضاءِ العصبية. يقولُ "هوبل" إنَّهُ استمتعَ بحياتِه واكتشفَ جوانبَ متعددةً تؤكدُ أنَّ العالَمَ رحبٌ وواسع. توفِّيَ في عامِ ألفينِ وثلاثةَ عشَرَ عنْ عمرٍ ناهزَ سبعةً وثمانينَ عامًا.

وُلدَ "فيزل" في أوبسالا بالسويد عامَ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وأربعةٍ وعشرين، كانَ الأصغرَ بينَ خمسةِ أطفال. كانَ والدُه كبيرَ الأطباءِ النفسيينَ ورئيسَ مستشفى بيكومبيرجا، وهيَ مؤسسةٌ عقليةٌ تقعُ في ضواحي ستوكهولم. 

كانَ "فيزل" طالبًا كسولًا إلى حدٍّ ما، وماكرًا، مهتمًّا بشكلٍ أساسيٍّ بالرياضة. كانَ انتخابُه رئيسًا لاتحادِ الألعابِ الرياضيةِ في المدرسةِ الثانويةِ هوَ إنجازُه الوحيدُ الذي لا يُنسى خلالَ تلكَ الفترة. فجأةً، في سنِّ السابعةَ عشْرة، أصبحَ طالبًا جادًّا وأدى جيدًا كطالبِ طب. 

فضولُه حولَ طريقةِ عملِ الجهازِ العصبيِّ حفزَتهُ محاضراتُ أساتذتِه في الفسيولوجيا العصبية. بسببِ تربيتِه، كانَ مهتمًّا أيضًا بالطبِّ النفسي. لذا؛ قضى عامًا واحدًا عندما كانَ طالبًا في الطبِّ في العملِ معَ مرضى في مستشفياتٍ عقليةٍ مختلفة.

بعدَ أنْ حصلَ على شهادتِه؛ عملَ بمعهدِ كارولينسكا في عامِ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وأربعةٍ وخمسينَ لإجراءِ بحوثٍ حولَ الفيزيولوجيةِ العصبيةِ الأساسية. 

في العامِ التالي، كانَ منْ حسنِ حظِّهِ أنْ دُعيَ إلى الولاياتِ المتحدةِ كزميلِ ما بعدَ الدكتوراة في مختبرِ الدكتور ستيفن كوفلر في معهدِ ويلمر، كليةِ جونز هوبكنز الطبية. لينضمَّ إلى مختبرِ "هوبر" في عامِ ألفٍ وتِسعِمئةٍ وثمانيةٍ وستين، ليقررَ كلاهما استكشافَ خصائصِ الخلايا في المساراتِ البصريةِ المركزية. كانَ هذا بمنزلةِ بدايةِ تعاوُنٍ لمدةِ عشرينَ عامًا؛ تُوجَ بجائزةِ نوبل.

في خطابِه يومَ تسلُّمِ الجائزة؛ قالَ "فيزل" إنَّ فهمَ الدماغِ "حلمٌ نادرًا ما يتحقق"، فربما يكونُ منَ الأدقِّ مقارنةُ حياةِ العالمِ بمصيرِ سيزيف، ملكِ كورنثوس الجشع، إلا أنَّ العلماءَ مباركين، لا محكومٌ عليهم بالفناء، فجشعُهم هوَ الاكتشاف، وليسَ القوةَ والثروة. 

قالَ أيضًا هذا العالِم -الذي يبلغُ منَ العمرِ الآنَ سبعةً وتسعينَ عامًا- إنَّ ثراءَ السلوكِ والثقافةِ البشريةِ يمكنُ تفسيرُه منَ الناحيةِ البيولوجيةِ والفيزيائية. وإنَّ سعيَ العلماءِ لاكتشافِ كيفيةِ عملِ الدماغ، يُمكنُ أنْ ينعكسَ بسهولةٍ على العثورِ على الفوائدِ الاجتماعيةِ والطبية.

حينَ سألَ الطلابُ "فيزل" بقلقٍ عنِ احتماليةِ التحكمِ في السلوكِ البشريِّ باستخدامِ أبحاثِ الدماغ؛ كانتْ إجابتُه الفوريةُ "لنْ يحدثَ أبدًا" فالعقلُ سيظلُّ حرًّا؛ والسعيُ وراءَ الحقيقةِ لا يعني أبدًا احتماليةَ أنْ يتحكمَ العلماءُ في المستقبلِ في عقولِ البشر.


انا كريم الشافعي أعمل في مجالات التصميم منذ 4 سنوات ف مجال تصميمات واجهة المستخدم ومنتاج الفيديو و مجال تصميمات الجرافيكس و مجال التصوير و مجال السوشيال ميديا

التعليقات : 0

إرسال تعليق

أتصل بي

تليفون :

+201117728368

عنوان :

الزقازيق
الشرقية

ايميل :

kareemelshafei@tech-takeaway.com